كيف ظلم التصوير فيلم 1917

بعد تردد كبير وتأثير آراء الأصدقاء بشأن فيلم 1917 تشجعت وشاهدت الفيلم أخيرًا، التردد كان بسبب موجة المدح المتواصل للفيلم من قبل الجميع، وهي عقدة لم أستطع التخلص منها، مقاومة السائد دون مبرر، حدث معي الأمر في مسلسل Friends بعد سنوات من المقاومة وقعت في غرام الـ sense of humor الذي يحتويه.

تجربة سينمائية فريدة

كانت الضجة التي صنعها فيلم 1917 بسبب الثنائي الذي جمع بين المخرج سام مندز والمصور السينمائي روجر ديكنز للمرة الرابعة، سام مندز صاحب الأفلام القليلة ذائعة الصيت مثل American Beauty، Revolutionary Road، بالاضافة إلى أحد أفضل أفلام جيمس بوند على الإطلاق Sky Fall، وروجر ديكنز الذي في السنوات الأخيرة صنع مجموعة من المشاهد المذهلة في تاريخ السينما في أفلام مثل Sky Fall ،Sicario وBlade Runner 49 والذي فاز عنه بجائزة أوسكار لأحسن مصور سينمائي، وحاز عليها مرة أخرى في فيلم 1917!

الثنائي شكل مع بعضه تجربة فريدة في عالم السينما هذه المرة؛ وذلك من خلال اعتماد فكرة مكررة نوعًا ما في الإخراج السينمائي، تجدونها على سبيل المثال في رائعة Birdman للمخرج أليخاندرو إيناريتو، وهي أن يصور الفيلم وكأنه لقطة واحدة لمجموعة من الأحداث المتواصلة بحيث لا يجد المشاهد فرصة ليتوقف ويلتطق أنفاسه، خاصة وأن المشاهد تحدث في قلب الحرب العالمية الأولى، وعلى رقعة جغرافية محددة المعالم.

تم بناء مواقع تصوير كاملة لأجل تصوير تلك اللقطات الطويلة التي يضطر في بعضها الممثلون للأداء لأكثر عن تسع دقائق ويتفاعلون فيها مع كل ما حولهم كالانفجارات وإطلاق الرصاص وحتى السباحة. أحد المواقع عبارة عن خندق تم حفره بالكامل لقرابة ميل، مواقع التصوير تلك كان يتم التدريب فيها بحيث تحدد من البداية أين تكون الكاميرا وأين يقف الممثلون وبقية الفريق وكيف يتنقلون؛ بحيث ما أن يبدأ التصوير يتحرك الجميع بتناسق دقيق دون توقف من الممثلين وهم يؤدون أدوارهم إلى المخرج وفريقه وهم يعملون على نقل الكاميرا من مكان إلى آخر أثناء تحرك الممثلين!! مذهل.. أليس كذلك؟!


هنا الافتتاحية لأول تسع دقائق من الفيلم

لكن المسألة بالنسبة لي ليست مع هذا الانتاج الرائع والتنظيم الدقيق للفيلم، صنعت عبقرية التصوير والانتاج الضجة والتسويق اللازمين للفيلم، حيث بات كل ما يتحدث عنه الناس هو كيف صورت تلك المشاهد؟ وكيف انتقلت الكاميرا الثقيلة من ظهر المصور داخل الخندق إلى العربة المتحركة في الحقل المفتوح؟ وهذا طبع هوليوودي أمريكي معروف يحب شيئًا يمسى الواو Wow؛ نوع من الترفيه والذهول اللحظي والتصفيق لشيء خارق دون الاهتمام بجوهر الأشياء!

يقول المخرج سام مندز أن الفيلم شخصي جدًا بالنسبة له، فقد مر بفترة غير متحمس لمقترحات الأفلام التي تصله، إلى أن طرحت فكرة أن يكتب فيلما بنفسه، هنا جاءت فكرة كتابة فيلم مبني على قصص جده عن الحرب العالمية، حيث هناك من الجنود من توكل لهم مهام خطرة لإيصال رسائل مهمة للكتائب التي تواجه العدو، فصاغ فكرة فيلم تتحدث عن جنديين في ريعان الشباب توكل إليهم مهمة مستحيلة لمنع كتيبة من 1600 جندي من خوض معركة مع العدو الألماني، وعليهم قطع مساحة يعتبر مجرد التفكير في وضع قدم فيها ضربًا من الجنون.

ما هو أعمق

1917

لا ينكر سام بأن أفلام الحرب قد استُهلكت وعرض الكثير من أوجهها وأهوالها وحزنها في أفلام على سبيل المثال The Pianist أو Saving Private Ryan و Hacksaw Ridge وغيرها الكثير.. لكن فكرته هنا تلخصت في اختيار بطلين لا يملكان الشهرة والنجومية التي تكون حاضرة في آداءهما، حيث أرادها أن تكون وجوها غير مألوفة ما يجعل الناس ترى شابين عاديين، وهو ما شعرت به، أنا لا أعرف شيئًا عنهما، وبعد دقائق فقط انغمست في متابعة المغامرة دون أن أفكر بمقارنة الآداء، وهذا ما قادني إلى الخوف على الأبطال، أكملها أن الفيلم لا يدخر جهدًا في تصوير المشاهد كما هي؛ الأشلاء والجثث وسط الطين، عالقة في السياج، أو الجثث التي جرفها النهر وانتفخت وازرقت وبقت تطفو على جانبي النهر، الخوف المروع في العيون، حالة التوجس والرعب المتواصل التي لا تفارقك كمشاهد من بداية الفيلم إلى نهايته، كحالة الحرب، لا تدري ما قد يحدث في أية لحظة، كم مرة أردت الخروج من الصالة لأن أعصابي تلفت من الترقب والرعب مما سيحدث.

وعلى الجانب الفني، تخيل أن الممثلين تحولوا من تصوير سينمائي إلى آداء مسرحي متواصل، مشاهد متواصلة مدتها عشر دقائق دون قطع يقدم فيها الممثلون آداء مذهلًا بكل مشاعر التعب والخوف والركض! هذه كمية جمال تستحق التوقف وتقديرها أكثر.

1917

قد لا تكون قصة الفيلم معقدة وبسيطة لكن أجواءه لا تزال بمخيلتي إلى الآن، شعوري بالأسف على الشباب صغير السن الذي يضحي بنفسه في مهمة مستحيلة تنفيذًا لأوامر من هم أعلى منه سلطة، ولأجل انقاذ رفاقه من الموت المحقق، شخصية سكوفيلد وعلاقته المؤثرة مع صديقه بلايك، هذه الشخصية والتي فجأة وجدت على عاتقها حملاً ثقيلاً، ووجدت أن لا شيء يمكن القيام به سوى المواصلة برغم كل ما مرت به، ومن اقترابها من الموت في لحظات متواصلة، أن يكمل طريقه بأي ثمن لأنه هو الحل الوحيد للحياة، وتتضح تلك الصورة في المشهد مع الرضيع، مشهد رمزي بديع يجعلك تعيد التفكير في المستقبل والحياة.

هذا أمر شخصي، لكن يزعجني دومًا التعاطي مع أفلام الحروب مثل 1917 بهذه السطحية التي تختصره في التصوير الجميل، وتجاهل المغزى الأساسي، أهوال الحرب التي لم نتعلم منها شيئًا إلى الآن، تماما ما يحدث حاليًا في العالم من حروب متواصلة وبشكل أسوء بكثير، يجعلك عندما تشاهد تلك الرحلة المروعة للجنديين في الفيلم تتخيل ما يمر به من يعيشون أجواء الحرب، حيث حياتهم لا معنى لها أمام منطق الرصاص، لكنك تصفق لتلك الصورة الجميلة التي التقطها المصور للاجئين لحظة سقوط الصواريخ عليهم من السماء!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *