وسام شوكت

وسام شوكت، رحلة تطوير فن الخط العربي

هذه التدوينة تأجلت عشرة أعوام كاملة بعد التدوينة الأولى التي نشرتها على مدونتي السابقة! في العام 2010 كنت قد راسلت الأستاذ وسام شوكت أطلب منه إجراء حوار معه بخصوص أعماله، وقد تجاوب معي سريعًا، لكني لم أستطع إجراء الحوار وقتها، وترددت بعدها في مراسلته مجددًا، وبقيت متابعًا جيدًا لأعماله، وخلال هذه المدة أجرى وسام العديد من الحوارات المطولة والعميقة مع عدد من المجلات الغربية، واكتشفت معها أني لم أكن مؤهلا كفاية لاجراء أي حوار معه. وقد تستغرب أيضًا أنه وخلال العشرة أعوام هذه لم تنشر أي مادة عربية تتناول أعمال وسام بنفس الشكل الذي تناوله المحتوى الانجليزي، ولا حتى صفحة على ويكيبيديا!

العام الماضي أجرى وسام حواراً مع مجلة فوغ آرابيا، وراسلته على أمل أن أترجم الحوار (الذي وجدته مترجماً لاحقا)، لكنه كان مبادرًا بأن قدم لي ما يسمح لي بأن أنشر الموضوع أخيرًا بالشكل الذي أريده.

اهتمامي بالكتابة عن الفنان والخطاط وسام شوكت هو لأهميته كخطاط وفنان في وقتنا الحالي، إن لم يكن أهم خطاط عرفه فن الخط العربي منذ عقود طويلة؛ بما أضافه ويضيفه لهذا الفن، وأيضًا لاختلاف تكوينه عن أي من الخطاطين المعروفين في عصرنا الحالي ما يجعلنا أمام حالة خاصة جدًا يتوجب الحديث عنها وتوثيق تجربتها.

البدايات:

يذكر وسام دوما التفاصيل التي شكلت تعلمه للخط العربي، علاقته الأولى بالخط كانت في سن العاشرة العام ١٩٨٤ عن طريق معلمه في الابتدائية “محمد رضا سهيل” والذي بالمناسبة كان صديقا للخطاط الراحل محمد صقار والشاعر بدر شاكر السياب، وكان أن كتب محمد رضا على السبورة بالطبشور أربعة حروف بخط الرقعة ” أ، ب، ج، د”، حركة يد سهيل على السبورة وتلاعبه بالطبشور في كتابة الحروف، الأشكال الأربعة وانحناءاتها وعلاقتها ببعضها أبهرت وسام وقتها، وجعلته يتعلق بالخط العربي، قد كانت السنة ذاتها التي أحضر فيها والده لشقيقه الأكبر كتابا عن الخط لهاشم البغدادي، لكن شقيقه لم يكن مهتمًا بالأمر، فأعطاه الكتاب، فبقي يطالعه لساعات، ولا يزال محتفظًا به لغاية الآن.

ذاك الانبهار والاكتشاف اصطدم بواقع آخر خلال تلك الفترة، فسرعان ما أُغلقت المدارس بسبب الحرب بين العراق وإيران، وتحت القصف الثقيل للبصرة اضطرت عائلة وسام للتنقل بين الملاجئ تحت الأرض هرباً، خلال أسابيع الانتظار الطويلة تلك كان المهرب الوحيد لوسام هو الانشغال بالتدرب على الخط العربي وحروفه التي كانت تبعث فيه الهدوء لانضباط حروفه بعكس عالمه الغارق في الحرب والفوضى، ثم بعد هدوء نسبي للحرب، عاد مجددًا إلى أستاذه يطرح الكثير من الأسئلة حول الخط وأدواته، لكن وضع الحرب ازداد سوءًا، واضطرت العائلة في النهاية إلى ترك البصرة – وهو في سن الثانية عشر عام 1986- انتقلت عائلة وسام إلى الموصل – حيث منشأ والده – هربا من الحرب مجددًا، وهناك استغل وسام العطلات للعمل في محل لافتات لادخار المال لشراء كتب الخط وأدواته!

كما أن تواجده في الموصل سمح له بالالتحاق ببرنامج تدريبي مكثف حول الخط العربي، ما لفت الأنظار لموهبته المبكرة، حيث تم تسجيله في صف المبتدئين، وحدث خلال ذلك البرنامج أن شاهد أحد المدرسين بعض أعماله بخط الثلث على الطاولة، وبالكاد صدق أن أنها من خط يد وسام، ومباشرة تم تحويله إلى الصف المتقدم.

انتهت الحرب في العام ١٩٨٨ وعادة الأسرة إلى البصرة، وهناك واصل وسام دراسته للثانوية، واستغل أيضا العطلات الصيفية بالعمل في محلات تصميم اللافتات بالبصرة، وهناك بدأ في تكوين سمعة جيدة في مجال اللافتات والأعمال الخطية التي أنجزها، بما فيها شعارات لأصدقاءه وأعمال جرافيكية أخرى.


مجموعة من أعمال وسام شوكت الخطية

بعد انهاء الثانوية وبحكم كون الثقافة السائدة وقتها في العراق كما هي في دول عربية كثيرة أنك إن تخرجت بمعدل جيد فليس أمامك سوى خيارات محدودة كأن تدرس الطب أو الهندسة، وأي خيار آخر سيجعلك فاشلاً في نظر المجتمع، وبحكم طبيعة وسام واهتمامه بالخط فإنه كان مهتمًا بدراسة الهندسة المعمارية التي تجمع بين الفن والتصميم والهندسة، لكن في ذلك الوقت لم تكن في البصرة معاهد للهندسة المعمارية لذلك كان خيار الهندسة المدنية منطقيًا أكثر، ورغم أنه لم يعمل في هذا المجال بعد تخرجه، إلا أن فائدتها عادت عليه لاحقًا بأن علمته الانضباط والدقة في الأعمال التي يقدمها. ثم اضطر بعد تخرجه للالتحاق بالخدمة العسكرية قرابة العامين، والتي وصفها بالفترة الصعبة والكئيبة، لكن الخط العربي كان لايزال له حظه معه خلالها، فبدل أن يقوم بالعمل المعتاد لمن يؤدون الخدمة العسكرية، كانت توكل إليه العديد من أعمال تصميم اللافتات واللوحات الخطية من الضباط الأعلى رتبة منه.

بانتهاءه من الدراسة الجامعية والخدمة العسكرية، عمل لقرابة الشهر في شركة هندسية صغيرة، لكنها لم تكن ما يرغب به، فاستقال وقرر العمل في ورَّاقة عائلته، وخلالها فتح لنفسه المجال للعمل على مختلف المشاريع، منها اللافتات واللوحات الخطية، رسم البورتريهات والتصاميم وفن الخط العربي، بالإضافة إلى الأعمال الفنية والملصقات التي اعتمد فيها على استخدام الفرشاة الهوائية والتي كانت نادرة وقتها، هذه الأخيرة التي تحول تجميعها واقتناءها هواية وهوسا بالنسبة له مع مرور الوقت. أيضًا خلال هذه السنوات عمل على تطوير نفسه في الخط العربي بشكل ذاتي من خلال الملاحظة والتمعن في أعمال كبار الخطاطين مثل سامي أفندي، حامد الآمدي، محمد نظيف، وحليم أفندي.

في العام 2002 كان العراقيون يعلمون أن الحرب قادمة لا محالة، واتخذ وسام قرار الانتقال إلى الامارات مع نهاية ذلك العام، وبالفعل تم غزو العراق في مارس من العام ٢٠٠٣.

تصميم الشعارات:

مع دخول الألفية الجديدة بدأت العلامات التجارية الشهيرة والشركات العالمية بالتركيز على البلدان العربية بشكل عام ودول الخليج العربي بشكل خاص، وبرزت معها حاجتها لإيجاد طرق للتواصل بالشكل المناسب مع الجمهور العربي بما فيها تصميم شعارات عربية خاصة؛ حتى تتكيف مع ثقافة تلك البلاد، وفي مدن مثل دبي، كان الابداع وكسر النمط السائد أمرًا مألوفًا ومطلوبا، كان الطابع العربي -والديني- الواضح في الخط العربي الخيار الأنسب لتلك الشركات والعلامات؛ فهو يضفي عليها الأصالة ويشعر الجمهور العربي أن التواصل معه حقيقي، لكن بشكل عام ولصرامة التكوين في فن الخط العربي، فإن القاعدة كانت الالتزام بقواعد الخط العربي، لذلك فقد كان الكثير من الشعارات وقتها يعتمد على الخط العربي الكلاسيكي دون تطوير، وفي المقابل أيضًا كانت الشعارات الخطية التي ينفذها مصممو الغرافيك تفتقد للتوازن وتتعرض للنقد من الخطاطين.

  • وسام شوكت

مجموعة من الشعارات الخطية لوسام شوكت

في تلك السنوات عمل وسام مع وكالات إبداعية مثل BPGmgroup و Brand Union، والتي من الواضح أن مشاريعها وفرت له المساحة لصنع اسم جيد في المجال، وكذلك لفهم الجانب الغرافيكي والتصميمي في أعمال الهوية وطرق تنفيذها، بالاضافة إلى تكوينه المستقل في تعلم فن الخط إلى أن جاء مشروع من أحد العملاء بالعمل على شعار بالخط العربي، إلا أن طلبه كان مختلفًا عن الطلبات المعتادة؛ فقط طلب عدم الالتزام بقواعد الخط نفسها وأن لا يبدو شكله كلاسيكيا! كان يبحث عن شيء حديث وجديد ولكن بروح الخط العربي، وبالرغم من أن وسام لم يكن معتادًا على هذا النوع من الأعمال وكان وقتها ملتزما بالطريقة الكلاسيكية، إلا أنه قرر التجريب كمحاولة للخروج بشيء حديث، النتيجة نالت اعجاب العميل، لكن المشروع تغير اسمه وتغيرت توجهاته ولم يرى الشعار النور، إلا أن ما حدث فتح أعين وسام على فرصة الإجابة على سؤال كان يراوده من فترة :”ما الشيء الجديد الذي يمكن إضافته للخط العربي؟

كذلك كان هناك جانب آخر في تصميم شعارات عربية متوافقة مع الشعارات الانجليزية، بما يعرف بـ “تعريب الشعارات“، وكان لوسام دورًا في تعريب العديد من الشعارات العالمية مثل باتيك فيليب، شوبادر، تيفاني آند كو، ذي تايجر وودز، وغيرها الكثير من العلامات العالمية المعروفة، هنا أيضًا كان وسام صاحب التكوين الفني المستقل والمختلف يحث العملاء على التخلي عن فكرة أن الشعار يجب أن يكون مقروءاً، طالما أن هناك عبارة انجليزية أو عربية مقروءة منه، فلماذا التضحية بالجانب الجمالي المميز للشعار لأجل المقروئية هنا؟

وشام شوكت، تعريب الشعارات
بعض الشعارات المعربة لعلامات تجارية عالمية

مولد خط الوسام

بعد التجربة الجديدة في تقديم شعار بخط عربي بروح جديدة، ومستغلاً طلبات العمر الحر التي كانت تصله بدأ وسام في تطوير وتطبيق الأسلوب الجديد الذي يراه كثيرون انطلاقًا للخط السنبلي الذي طوره الخطاط عارف حكمت في العام 1914، لكن شوكت يرى بأن السنبلي يشكل جزءًا صغيرًا جداً من خط الوسام، وطوال ست سنوات من العام 2004 لغاية 2010 عمل على شعارات لجهات كثيرة، هذه الشعارات التي أغلبها تجارب تطبيقية لبحثه، لكنها أثبتت أن هناك أسلوبا جديدًا وقويا بجمالية لا يمكن تجاهلها، وأدت تجاربه تلك – خاصة مع أسماء العلامات التجارية الكبيرة – إلى ظهور موجة جديدة من أساليب تصميم الشعارات الخطية والتي أغلبها تحاول تقليد أسلوب وسام.


بعض الأعمال الفنية بخط الوسام

في بداية هذه التجربة كان وسام مترددًا جدًا في اعتماد أسلوبه الجديد في الأعمال الفنية، وجعله محصوراً فقط على الشعارات وأعمال الهوية، لذلك فقد أخذ الكثير من الوقت ليصل إلى مرحلة إِطْمَئَن فيها أن ما بين يديه مكتمل وقوي، فعمل بين 2009 و2010 على عدد من اللوحات الخطية بالأسلوب الذي طوره، وشارك بأولها في معرض بسملة في دبي، ثم في معارض أخرى، وسرعان ما جذب الأنظار ورأى العديد من الخطاطين المحترفين فيه أسلوبا جديدًا ومنعشًا. وبالتأكيد كانت هناك أيضًا أصوات معترضة، ولا ترى فيه أي تجديد، ولا تراه أسلوبا جديدًا مستقلا، بل مزجًا للخط السنبلي مع الخط الديواني الجلي وحتى الثلث ولا يحترم تقاليد الخط العربي، إلا أن وسام دومًا يجيب بأنه لا يهتم بهذه الآراء، وقد تشكلت في ذهنه خلال هذه السنوات رؤية بأن تطور الخط العربي يجب أن يبدأ من الخطاطين أنفسهم، وأنه يتوجب عليه أن يتطور مثلما تطورت كل الفنون الأخرى من حوله.

لم ينتج وسام لغاية الآن أي كراسة لخط الوسام، فلا يزال الخط في نظره يتطور ويتحسن أكثر، إلا أنه شارك العديد من النماذج التي تساعد المهتمين بتعلم خط الوسام بالاضافة إلى الورشات العديدة التي يقدمها بشكل دوري حول الخط.


أبجدية خط الوسام

تنسيقات الخط (Calligraforms)، بين التجريد الغربي، وفن الخط العربي.

انطلاقا من فكرة أن معظم الناس يعجبون بفن الخط سواء كان عربيا أم لاتينيا، فإنهم في المجمل يعجبون بالأشكال التي كونتها الحروف بصرف النظر عن العبارة المكتوبة، بنفس الطريقة التي انبهر فيها وسام بالحروف الأربعة التي خطها معلمه في الابتدائي، ومنجذبا للجانب الغرافيكي في فن الخط العربي، وخلال عقود من التدريب المتواصل لحد الإتقان التام لفن الخط؛ وجد وسام نفسه أخيرًا قادرًا على العودة بالخط العربي إلى مراحله الأولى حين كان الخط يخضع دومًا للتجربة وللتجديد المستمر قبل أن يتوقف الخطاطون قبل قرنين من الزمن عن تطويره وتقديس النتائج التي قدمها عظماء الخطاطين العرب.

في عدد مارس ٢٠١٧ من مجلة تشكيل الصادرة عن جمعية الإمارات للفنون التشكيلية تذكر دانا لورنش معلومة مفادها أن تجربة وسام اختلفت تمامًا بعد معرضه “رسائل حب” معرض الفنون “ريد سبيس” بمانهاتن في نيويورك في العام ٢٠١١؛ حين تأثر في زيارته تلك بأبي الكولاج المفاهيمي الفنان “سيسيل توشون“، وكأنه وجد الإجابة في سعيه المتواصل لتجربة الجديد في فن الخط العربي وتطويعه أشكاله ليتجرد من الفهم المباشر ويقدر لجماليته البصرية البحتة، ونتائج تلك التجربة هي التي جعلت وسام يعيد تعريفه لنفسه من خطاط إلى فنان مفاهيمي، وهذه التجربة جاءت بعد سنوات قليلة فقط من اعتماده لخط الوسام في أعماله الفنية لتجاور الأعمال الأخرى المعروفة في خطوط الثلث والديواني.

دارساً لأعمال الثلث لكبار الخطاطين، كأحد أكثر الخطوط العربية اكتمالاً وأرقاها وأجملها، ومعتمدا على تجارب حركات فنية مثل التكعيبية، الدادائية، المستقبلية والباوهاوس وهي حركات تركز على الأشكال الهندسية والألوان الأساسية، بدأ وسام بتجربة العمل على تجريد الحروف في محاولة إظهار جماليتها بعيدًا النص وفهمه المباشر، مركزًا على نقطتين أن هدفه الأول والأخير من هذه الأعمال هو جمالي بحت، وكونه يرى أن القراءة هي عدو الإبداع وهي ما تحد من تطور فن الخط العربي.

كانت تلك التجارب التي قام بها في معمله الخاص في دبي تحتفي بشكل مباشر بالحرف العربي، ليس فقط من خلال الشكل الخارجي المجرد للحرف، فوسام يشرح أن الخطاط لا يتدرب فقط لإتقان كتابة الحروف، ولكن أيضًا لإتقان المساحات من حولها، ولذلك جاء معرضه في العام 2016 بعنوان الداخل والخارج ليدفع المُتلقي للتمعن ليس فقط في أشكال حروف الثلث المجردة، بل أيضًا في الحوار البصري الذي يتم بينها والتوزيع الهندسي لها في كل لوحة. إلا أن الغاية النهائية التي يسعى إليها وسام هنا هو أن يدفع بالخط العربي إلى العالمية وأن يتجاوز استخدامه المحلي المعتاد، تمامًا كما نرى مع الحرف اللاتيني وغيره.

—–
المصادر:

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6

4 تعليقات

  1. اشكرك و اشكر السيد وسام شوكت على مشاركته لهذه المعلومات الجميلة و الصادقه عن رحلته التي تستحق (اعذزني) اكثر من مجرد مدونه .. فللاسف الخطاطون العرب و المبدعون لم يجدوا من يراعهم. كامثال هرمان زابفHermann Zapft و علاقته بشركة روترنج Rotring.
    شكرا مره اخرى و دمتم في حفظ الله و رعايته.

  2. مقال يستحق قراءة كل حرف فيه. اسلوب سرد سلس وغني من دون اي تكلف وحشو. أما الاستاذ وسام فنسأل الله أن يكثر من أمثاله، ويبارك فيه، فابتكاره لايقل شأنا عن أي من ابتكارات الخطاطين الكبار السالفين كياقوت وحامد وعارف. بانتظار كراسة خط الوسام، والبدء بإجازة الخطاطين على خط الوسام.

  3. مقال جد رائع أنا شخصيا استفدت منه كثيرا بحكم عملي كمدرس للتصميم وللخط العربي أما بالنسبة للأستاذ والخطاط والمصمم العالمي شوكتن فأقول له أنا من متابعيك ومن المعجبين بتصميماتكم.. رفع الله مقامكم في الدنيا و الآخرة ومزيدا من النجاح.

اترك رداً على محمد علي عبد العال إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *