لماذا لا تحترم الحقوق الفكرية لمصممي الخطوط الطباعية؟

يبدو أن الكيل قد فاض أخيرًا بمصممي ووكلات الخطوط الطباعية العربية المعروفة عندما أطلقت شركة بيانات المصرية خدمتها الخاصة بتصميم الخطوط الطباعية للاستخدام العام والمخصصة لعملاءها، أين التقط المصمم الهولندي/اللبناني كريستيان ساركيس الخيط وأثار موجة استياء ضد الشركة بقوله أن خط نورسال من شركة بيانات ما هو سوى نسخة معدلة من خط جرافيك للمصمم اللبناني أيضًا وائل مرقص، وأن خط نورسال ما هو سوى انتهاك واضح، وأثار هذا الاستياء معه جدلاً قديمًا حول الحقوق الفكرية للأعمال ذات الطبيعة الابداعية مثل الشعارات والخطوط الطباعية والأعمال الغرافيك المختلفة.

في هذا السياق طرحت مبادرة مختبر الخط العربي جلسة افتراضية تستضيف مجموعة من مصممي الخطوط اللبنانيين المعروفين في المجال لنقاش الحقوق الفكرية للخطوط الطباعية، وهم نادين شاهين، كريستيان ساركيس، وائل مرقص، يارا خوري، خاجاق أبليان ، وفي الجانب القانوني للأعمال ابداعية أحمد الليثي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وشخصيا ولسنوات طويلة كان يهمني أن أعرف رأي هذه الأسماء بشكل صريح في موضوع استخدام واعادة استخدام وتوزيع الخطوط الطباعية وتقلديها أو الاستلهام منها.

خط طباعي واحد يستنزف الكثير من الوقت:

وكتوضيح لصعوبة هذه المهنة طرحت الجلسة تساؤلا عن حجم الوقت الذي يأخذه المصمم لانجاز خط طباعي عربي واحد؟، إلا أن الاجابات أجمعت بشكل عام على أن الخطوط الطباعية قد تأخذ أسابيع وقد تأخذ سنوات من العمل وإعادة العمل والتحسين على حسب المشروع وطبيعة الخط المطلوب تصميمه ونوعية استخدامه، لكن لا شك أن تصميم خط طباعي جيد يأخذ الكثير من الوقت لانجازه، وقبله يأخذ سنوات وسنوات من التدريب المستمر لاتقان هذه الحرفة.

كيف تعرف الخط المقلد أو المأخوذ؟

ثم سؤال مهم آخر تم طرحه وهو كيف تستطيع معرفة الخط المقلد أو المأخوذ؟ فكانت اجابات المصممين متنوعة بين هذه النقاط:

  • أولها التمييز الواضح للرسم السيء للمنحنيات، حيث يمكن ملاحظتها بالعين المدربة وحتى عين المتلقي العادي، بأن تأخذ خطًا طباعيًا جاهزًا وتعيد رسم محارفه ولكن بشكل ليس متقنًا مثل الخط الأصلي.
  • طريقة أخرى من خلال مطابقة الخطين الأصلي والخط المقلد الذي أخذ المحارف من الخط الأصلي، بوضعهما فوق بعضهما البعض يمكنك رؤية أسلوب الرسم والنقاط في كل محرف، فهذا بالنسبة لضيوف الجلسة أمر يمكن فضحه فورًا.
  • نقطة مختلف حولها أيضًا وهي الخطوط المستلهمة من خطوط مصممة مسبقًا قد لا تطابقها لكنها من نفس الروح، لكن مجددًا طرح أن هذا تقليد أيضًا ويدخل في خانة الانتهاك كذلك برغم المساحة الرمادية الواضحة فيه!! ثم طرحت حل آخر للتفريق بين الخط المأخوذ والخط الأصلي بمعرفة سنة الاصدار، وكذلك أيضًا ملاحظة الحوارات بين الحروف من مسافات ومنحنيات ومساحات وتباعد، فإن كانت نفسها الحوارات في الخطين فهذا يجعلنا نعرف أن الخط مقلد ومأخوذ.
  • لكن تبقى دومًا الخبرة والعين المدربة هي أول من يستطيع بسهولة معرفة الخط المقلد من الأصلي، وأيضًا يستطيع المصمم معرفة خطوطه مأخوذة، كونه هو الذي قام بتصميم ورسم الحروف من البداية لذلك بامكانه تمييزها بسهولة، والحل قد يكون أن لا تعتمد على الخطوط الطباعية المصممة فعلاً، بل الاعتماد على أساس الخط العربي وتاريخه ليكون العمل أصليًا.
  • الخط الطباعي العربي والحقوق الفكرية

    كيف تشعر تجاه السرقة:

    هناك شعور بالاستياء لدى الممصمين من يقدمون خدمات لعملاءهم ولا يبيعون خطوطهم بأنفسهم، لأن الشركات هي التي دفعت مقابل الخطوط المخصصة لها، لكن في المقابل لابأس إن كان التقليد لمشروع تخرج أو مشروع تعليمي بحت، أما إن كان الموضوع أخذ الخط ونشره مجاناً بطريقة روبن هود فهذا غير مقبول!

    لكن وضح الضيوف أنهم مستاؤون بشكل عام من أي تقليد أو انتهاك يتم، خاصة أنهم أخذوا سنوات من العمل والتعديل للاتيان بتصميم خاص – على حد قولهم -، لكن الملفت أن هناك وجهة نظر مختلفة لم أتوقعها، وهي أنه لا فائدة من الاستياء، لأن لا سبيل لتغيير أي شيء، فالبشر هم البشر واستخدام الخطوط وتقليدها سيحدث في كل الأحوال، لذلك لا سبيل لاستهلاك الطاقة في الاستياء والغضب، بل المضي قدما ومواصلة العمل، إلا أن كريستيان يصر أن الموضوع مقبول في إطار الدراسة طالما أنك لا تصنع المال من وراءه! لكنك يجب أن تشير إلى أعماله وخطوطه كمصادر في النهاية.

    الملكية الفكرية للأعمال الإبداعية منطقة رمادية:

    طرح أحمد الليثي الجانب القانوني للأعمال الابداعية بشكل عام، ووضح أن الأعمال الابداعية تشوبها الكثير من الرمادية عندما يتعلق الأمر بالحقوق الفكرية، لذلك فهو يشجع جزئيًا السياسة التي بدأ يتخذها المصممون اللبنانيون في التشهير بمستخدم الخط وتوبيخه حتى يستغني عن الخط مع أنها على الأغلب ليست ناجعة كفاية، فيما يرى البعض أن هذا الأسلوب مناسب للشركات الكبيرة لأنها ستدفع لهم الأموال الكثيرة في المقابل، لكن هناك نقطة أخرى أثيرت وهي أنك لا يمكن أن تمتلك فكرة الخط ولا الحروف، أنت لا تملك الباء ولا الألف ولا الهاء، فهذا يحرم ناس من التحدث، لأن الخطوط تملك لغتها، فمن يملك الخط؟ وربما الشيء الوحيد الذي قد يساعد هنا هو النظر إلى هيكل الخط ودراسته ومحاولة تحديد إن كان مبنيًا على هيكل آخر، كما أن القانون لا يمكن التحكم به ويمكن الافلات بسهولة في هذه القضايا التي تخضع لوجهات النظر الشخصية ولا يمكن البت فيها بشكل حاسم

    المشكلة الأساسية، الاستحواذ، والمعرفة لمن يدفع أكثر:

    لكن ورغم كل هذا، الجلسة لم تتناول النقطة الجوهرية التي تمنيت أن تطرح، واكتفت بالتطرق إلى حقوق هذه المجموعة من المصممين، فلا يزال لحد الساعة هناك شح كبير جدًا جدًا لمصادر التعلم الواضحة لصناعة الخط الطباعي العربي سواء كان بشكل أكاديمي أو من خلال دورات مكثفة، أذكر أني ومنذ سنة تخرجي من الفنون وأنا أحاول عبثا الوصول إلى أي مصادر تساعدني على التعلم، وكل الكتب التي يتم إصدارها والورشات والمحاضرات هي تسويق للمصممين وأعمالهم مع بعض المعلومات السطحية جدًا، وقد أخذ الأمر ١٣ عامًا من الانتظار لتبدأ هذه المصادر في الظهور بشكل طفيف جدًا.

    شخصيًا – مع الاحترام لهذه المجموعة – لدي رأي أناني حيث كنت ولا زلت أرى أنهم الجزء المهم من المشكلة الحاصلة في موضوع السرقات، فالطلب الزائد في العقد الأخير من قبل العملاء لخطوط مخصصة ولخطوط تتناسب مع شخصيتهم ومع وزيادة عدد المصممين العرب ونهمهم للتعلم وتلبية هذه الاحتياجات والرغبة في التميز أكثر، لا يزال يقابله احتكار وتكتم واضح للمعرفة ضمن مجموعة مغلقة (والتي تتحدث اللغة الانجليزية)! وليس كما نجد في الخطوط اللاتينية حيث المصادر متاحة في كل مكان وكل المنصات! لذلك فمحاولة مقارنة وضع الخط الطباعي العربي بالخط اللاتيني في الدول الغربية هي محاولة غريبة وغير منطقية!

    وحتى مع بدء توفر هذه المصادر التعليمية، فهي لا تزال حتى الآن حكر على من يستطيع توفير ثمنها! بدورات وبرامج تعليمية ذات أرقام فلكية للمصمم العادي! وشخصيًا أجدني في مرحلة من حياتي حيث لدي الامكانية المادية المناسبة، أين يمككني الاستثمار في أي دورة أو برنامج تعليمي خاص أريده، ومع ذلك أجد أن تلك الأسعار مبالغ فيها بشدة، وكل ما أفكر فيه من يمكنه دفع هذه الأموال؟ ولماذا هذه الأسعار؟ ولا أنكر أني أقف في منطقة حياد تجاه قضية الحقوق الفكرية للخط الطباعي العربي -والتي قد تمسني مستقبلاً- فلا أستطيع أن أنكر حق المصمم بكل سنوات التعب والجهد الذي بذله خاصة وأن أسلوب كل مصمم مختلف عن الآخر عندما نتناول الناحية التقنية، لكنني كذلك في هذه المرحلة من تاريخ التصميم العربي لا أشعر بالتعاطف معه أو أدعم قضيته طالما هناك احتكار للمعرفة! فكيف تستاء من وضع أنت سبب رئيسي فيه!

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *