فيلم The Batman

هناك من يقول أن أفلام الأبطال الخارقين قد وصلت مرحلة نضج لا يمكنها إضافة المزيد لها بعد أن كانت ذات طابع طفولي وتركيز على جيل المراهقين، ولكن الفارق الوحيد هو أن شركة DC قد تكون الوحيدة التي قد تصل بهذا الصنف من الأفلام إلى مستوى لا يمكن لغيرها من الشركات القيام به.

كون شركة Marvel مملوكة لشركة Disney، فإن شخصياتها تصطدم دومًا بخطوط حمراء لا تسمح بها ديزني التي تعتبر الأفلام العائلية أهم ما يميزها؛ لذلك تبقى أفلام الأبطال الخارقين على الرغم من التنوع الكبير في شخصياتها وقصصها تدور في قالب واحد لا يسمح بتجاوزه، ولم يوجد إلا في حالات محدودة – بحسب علمي – في شخصية Deadpool من آداء Ryan Reynolds وهذا قبل أن تستحوذ شركة ديزني على أصول 21the Century وهي الشركة المنتجة لفيلم Deadpool على الرغم من سماحها بالعنف في الجزء الثاني، إلا أن الجزء الثالث يثير مخاوف من أن ديزني ستفرض قواعدها مجددًا. وأيضًا في سلسلة Daredevil التي انتجتها نتفليكس وتعتبر للآن واحدة من أهم سلاسل الأبطال الخارقين بسبب سوداويتها وعمقها والدموية التي احتوتها ومع انتقالها لمنصة Disney+ لا أحد يعرف مصير السلسلة في المستقبل، في المقابل نجد أفلام DC تتجه للانتاج للبالغين في أفلام عميقة نفسياً من روح قصص الكوميكس عنيفة وصادمة كان آخرها فيلم The Suicide Squad الذي فيه مشاهد أرقت منامي.

تنبيه هنالك حرق للأحداث:

عودة إلى موضوعنا المهم اليوم وهو فيلم The Batman والتصور الجديد للشخصية الشهيرة المفضلة لدى الجميع، حيث اعتبر كثيرون أن الشخصية قد وصلت إلى أرفع مستوياتها مع ثلاثية Christopher Nolan من آداء Christian Bale، مع محاولة Ben Affleck في التصور الجديد الذي قدمه Zack Snyder في أفلام BVS و Justice League لكنها لم تطرح بشكل مخصص لباتمان، فهو لم يكن الشخصية الرئيسية في الحدث، بل ضمن مجوعة أبطال وربما هذا ما لم يمنح للمشاهدين تصورًا عنه بالشكل اللازم.

يعود هذه المرة المخرج Matt Reeves بفيلم مختلف عن أي فيلم آخر لشخصية باتمان، ومعه نتحدث عن ميزة DC Comics بخلاف Disney Marvel، ففي القصص المصورة هناك رؤى مختلفة للشخصية، ومن بين هذه الرؤى الشخصية الواقعية ذات البعد السوداوي والعنيف أحياناً بعيدًا عن جو القصص المصورة اللطيفة الموجهة للمراهقين، ظهر هذا في مشهد معين في BVS في نسخة Snyder حين قام باتمان باقتحام مكان احتجاز والدة سوبرمان، حيث كان العنف واضحاً في القتال، كما أن السرد القصصي هناك كان يثبت أن باتمان هو شخصية تبث الخوف في المجرمين من خلال وسمه لأعداءه على جلودهم بعلامته الشهيرة.

في هذه النسخة يطرح Reeves زاوية معروفة في باتمان في القصص المصورة لكن الأفلام السابقة لم تسلط عليها الضوء كفاية، وهي شخصية باتمان المحقق الأقرب إلى شخصية شارلوك هولمز لحل لغز جرائم متعددة تدور في فلك الفساد المستشري في مدينة غوثام، وهذا في جو مظلم غامض وعنيف ولكن ليس دموي وهو ما راقني جدًا كوني لست مولعًا بالمشاهد الدموية ولذلك لست من محبي Quintin Tarantino وأفلامه الدموية دون سبب.

التحدي الذي واجهه هذا الفيلم من البداية أن الجمهور ومن أول مشهد سيضعه في المقارنة بينه وبين جميع أفلام باتمان السابقة، خاصة ثلاثية نولان، لكن Reeves يكمل بالشكل الذي يريده، فالفيلم يبدأ بداية صادمة من خلال أول مشاهده العنيفة وجريمة القتل الأولى التي يبدأها واحد من أغمض الشخصيات في عالم DC المعروف باسم The Riddler ومِثْلَ أغلب أعداء باتمان لا يمتلك قوى خارقة سوى ذكاءه الحاد وهوسه بالألغاز المعقدة التي يكشفها كل مرة لتقودنا إلى ضحيته التالية.

ومن أول مشهد لجريمة القتل تبدأ في الاستيعاب شيئًا فشيئًا أن هذا الفيلم مختلف مع قرابة الثلاثة ساعات، التي كان سببها وقع الأحداث البطيء جدًا والمقنع إلى حد كبير لبناء الشخصيات وتقديمها بالاضافة إلى التفكيك المتواصل لألغاز The Riddler والجرائم المتتالية وعلاقة كل الشخصيات بالقصة الرئيسية التي تدور حول هذه الجرائم وهو ما يبقيك متحفزًا طوال الوقت لمعرفة من يقف وراء قناع The Riddler، يميزها أسلوب Reeves الشهير في أفلام مثل Cloverfield وDawn of the Planet of the Apes.

جزئية أخرى مهمة في الفيلم، فبخلاف القصص المصورة والأفلام السابقة، لا يتطرق الفيلم لبدايات بروس واين ومقتل والديه، ومن ثم اتجاهه إلى اكتشاف العالم السفلي وعالم الجريمة واتخاذه لشخصية باتمان كمحارب للجريمة في غوثام، بل تبدأ الأحداث بعد عامين من ظهور شخصية باتمان بشكل أقرب إلى الواقعية في زيها وأسلحتها وأدواتها، وكيف أنها حققت تقدمًا في محاربة المجرمين، وظهرت شخصية بروس واين شاحبة مضطربة وغير مستقرة متأثرة بماضيها العنيف، لكن المثير أن العودة إلى بداياته شكل محور قضايا الجرائم التي قام بها The Riddler في تطور مدهش للأحداث يضع فكرة الطيب والشرير في منطقة ضبابية جدًا يصعب عليك معها الحكم على الأشخاص.

هذا التداخل في الأحداث قابله آداء متقن من جميع الممثلين، وعلى رأسهم البطل الرئيسي Robert Pattinson الذي بذل جهدًا كبيرًا في السنوات الأخيرة للتخلص من ارتباط اسمه مع أفلام المراهقين الشهيرة The Twilight Saga فقدم شخصية باتمان الداهية والصارمة والعنيفة التي لا ترحم المجرمين مع شخصية بروس واين الضعيفة والمضطربة والتي تكتشف جزءًا من ماضيها الذي يعصف بكل ما كانت تسعى إلى تحقيقه. لكننا نشهد أنها استطاعت تكوين فريق رائع مع المفتش James Gordon من أداء Jeffrey Wright حيث يتعاونان معًا ويحلان الألغاز سوية فيما يشبه ثنائي شارلوك هولمز و دكتور واتسون.

شخصيات الفيلم ودوافعها في المجمل كلها مقنعة بشكل كبير، فلا تبدو أفعالها مقحمة أو غير منطقية، وحتى علاقة باتمان مع Cat Woman بدت طبيعية وسلسة، والمثير أن بالرغم من مقتي لشخصية الممثلة Zoë Kravitz إلا أنها جعلتني أنسى أنها تمثل، حتى أن حضورها طغى على باتمان في عدد من المشاهد، ربما الشخصية الوحيدة التي لم أستطع الشعور بأنها أعطيت حقها على الرغم من أهميتها في الأحداث كانت شخصية الخادم Alfred من آداء العظيم Andy Sarkis الذي شارك مع Reeves عددًا من الأفلام، لكن حضوره هنا بدا بحاجة للكثير من الإقناع. أيضًا الممثل Paul Dano في دور The Riddler كان عبقريًا وهو الشهير بآداءه للشخصيات المضطربة المركبة، فشخصيته الغامضة المقنَّعة التي ترتكب الجرائم اختلفت تمامًا عندما تم كشفها وظهرت الشخصية الحقيقية المختلة عقليًا والمخيفة بابتسامتها وخططها وألغازها.

في الجانب البصري، نجد متعة بصرية جديدة جدًا، يقف خلفها Greig Fraser الذي بدأ يبرز اسمه أكثر في أعمال سينمائية بديعة والمرشح لجائزة الأوسكار لهذا العام في فيلم Dune الصادر العام الماضي أو في Rogue One: A Star Wars Story الذي أعتبره من أفضل أفلام Star Wars بالنسبة لي. وكل هذا في ثيمة مظلمة داكنة أحيانا إلى حد مزعج بعض الشيء، وألوان ذات دلالة غامضة لشخصية باتمان وذا ريدلر، تكسرها ألوان حارَّة تعكس القصص المشحونة والأحداث والدوافع الكامنة في الشخصيات ككل، مع مشاهد يصعب تحديد إن كانت مع مطلع الفجر أو مع الغروب بلوحات لونية بديعة يعززها إبداع Michael Giacchino في موسيقى شاعرية في عدد من المشاهد متضادة مع الثيمة الرئيسية الحماسية المتكررة التي اختلف توزيعها ونبرتها بحسب اختلاف المشاهد.

The Batman فيلم بالنسبة لي من أفضل أفلام هذه السنة يحمل قصة محبوكة بعناية شديدة وبواقعية وغموض مقنعين، وآداء متقن من جميع الممثلين، وأنصح بمشاهدته في قاعات السينما، فالتجربة البصرية والصوتية البديعة تستحق ولا يمكن نسيانها، ولذلك آمل أن تكون الأجزاء التي تبشر بها نهاية الفيلم في المستقبل بأن تصنع لنا عالمًا جديدًا وممتعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.