حوار: خط طبشور العربي، تجربة جديدة وعالم مختلف

هناك خطوط عربية بديعة جدًا صدرت في السنوات الأخيرة، لكن هناك خطوط قليلة جدًا ترتبط بها عاطفيًا وفي نفس الوقت تغطي نقصًا واضحًا في السوق لنوع محدد من الاستعمالات التي لا توفرها الخطوط متعددة الاستعمالات المعروفة مثل Frutiger و Helvetica وغيرها، بالاضافة إلى ذلك هو اتقانها واهتمامها بالتفاصيل وتقديمها بالشكل المناسب لتحديد طبيعة استخدامها، وهذا ما كان مع مشروع خط طبشور، حالما طالعت المشروع وجدتني مرتبطًا به ومنجذبا لفكرته وتنفيذه وللأسلوب الذي قدم به، والمجال المختلف تمامًا الذي يستهدفه؛ التعليم والطفولة.

ورغبة في توثيق التجربة تواصلت مع المصممة إيثار لإجراء هذا الحوار:

حدثيني عن خلفيتك في التصميم؟

أنا حاليًّا طالبة في السنة الرابعة بقسم التصميم البصري في كوريا الجنوبية. لديّ اهتمام بالفنون والتصميم عمومًا فاخترت دراسة التصميم البصري لكونه قسمًا يشمل مجالات اهتمامي. أهتمّ بالتصميم الجرافيكي، وتصميم الخطوط خصوصًا، وكذلك تصميم الموشن جرافيك.

كيف هي تجربتك بشكل عام مع تصميم الخطوط؟ ولماذا تصميم الخطوط؟

مع أني لست خطاطة إلا أني أستمتع برسم الحروف وتجريب تخطيط الأشكال المختلفة للحرف الواحد. جربت صناعة خط ملهم في البداية فقط من أجل توثيق خط كتابتي اليومية، وكنت أجهل الكثير عن عملية صناعة الخط وبالأخص الجزء التقني منه. لهذا تواصلت مع الأستاذ سلطان المقطري واستعنت به ليساعدني في البرمجة وإخراج الخط كخط رقمي. كنت ممتنة جدًّا للمساعدة، وكذلك رأيت أن العملية ككل ممتعة وبدأت بالدراسة حول تصميم الخطوط. في الجامعة تُدرَّس مواد أساسية في تصميم الخطوط اللاتينية، أما بالنسبة لتصميم الخطوط العربية فلا أزال أتعلم ذاتيًّا من مصادر مختلفة من الإنترنت والكتب والتجارب.

لماذا خط طبشور؟

البداية كانت من مكان مختلف تمامًا.

كنت أعمل على مشروع دراسي لكتيّب عن نظرتنا لأنفسنا مع التغيرات الناتجة عن التقدم في العمر، واخترت أن أعتمد خطًّا طفوليًّا ودافئًا لعنوان الكتيِّب للتخفيف من ثقل الموضوع وجديَّته. المشروع كان باللغة الكورية وكنت أبحث عن خط مناسب بخامة مثل قلم الرصاص أو الطبشور لإضافة تباين مع أسلوب الكولاج الذي استخدمته في المشروع. لم أجد الخط كما في مخيلتي فقمت بكتابة العنوان يدويا بقلم تلوين شمعي (طبشور)، ولاقت الفكرة استحسانًا من مشرف المشروع.

خط طبشور
(تصميم كتيّب لمشروع دراسي)

عندها حضرتني فكرة أني كنت سأحِبُّ لو أني وجدتُ خطًّا عربيًّا بنفس الأسلوب، ومنها جاءت فكرة صناعة خط طبشور.

أي أن فكرة خط طبشور جاءت من الأداة (الطبشور) نفسها، وكانت فكرة بسيطة لاختبار تضمين خامة أداة الكتابة في خط رقمي عربي.

كيف كانت مراحل العمل على المشروع؟ خاصة لما كان على الورق، ومن ثم الانتقال إلى الرسم الرقمي؟

في البداية في مرحلة الرسم اليدوي تقيّدت باستخدام قلم طبشور أسود وكراسة فقط، وسمحت لنفسي بحُرية التجربة في خطِّ أشكال الحروف. على عكس الأقلام ونسبة لطبيعة الطبشور واحتكاكه بالورق يكون التحكم باستقامة وانحناء الخطوط ليس سهلًا. لكن تلك الصعوبة شكلت ميزةً؛ لأن ميلان الخطوط الناتجة مخالف للمتوقع مما يسمح لاحتمالات أشكال متعددة للحرف الواحد.

لذلك رسمت ما أعتبره أبسط شكل للحرف بأبسط حركة يد، ونتجت عن ذلك أشكال عديدة ملأت صفحات حتى شكّلتُ مجموعة حروف باستقامات وانحناءات ملائمة لبعضها كمجموعة حروف متناسقة. تبع ذلك رسم الأحرف اللاتينية والأرقام، وعلامات الترقيم والرموز، وأخيرا علامات التشكيل؛ مع استخدام طرف قلم الطبشور في حالة الأشكال الصغيرة.

في الجانب الرقمي، قمت بنقل السكتشات الحرة لرسوم الحروف إلى برنامج تصميم الخطوط FontCreator، وتحويلها إلى رسوم فكتور رقمية بأدوات مساعدة داخل البرنامج. قد أحتاج عادة عند تصميم الخطوط إلى استيراد الصور إلى برنامج لرسم الفكتور مثل برنامج Adobe Illustrator أولًا والرسم عليها، ثم نقلها إلى البرنامج الخاص بصناعة الخطوط. ولكن بالنسبة لخط طبشور، من أجل المحافظة على تأثير أداة الكتابة قمت بحذف خطوة رسم الفكتور في برنامجAdobe Illustrator واستوردت الصور كما هي مباشرةً لبرنامج تصميم الخطوط الذي أنتج منها أشكال فكتور تلقائية معادلة لها. بعد ذلك قمت بإضافة خصائص OpenType مثل ضبط المسافات بين الحروف، والأحرف المركبة، والاختبار المتكرر.

خط طبشور
(سكتشات أولية لحرف الحاء في مواضعه الأربعة)

هل استعنتم بتجارب عربية معينة بنيتم عليها الخط؟ مثل تجارب فهد الفريخ في الخطوط اليدوية، أو خطوط طارق عتريسي؟

مع أن الخط غير معتمد في قواعده على أسس الخطوط العربية الكلاسيكية، رجعت في تناسق أحجام الحروف ونسبها إلى بعضها إلى نماذج خطوط عربية رقمية معروضة في كتاب “تصميم الخط العربي للمبتدئين – الدليل المصور” لمؤسسة خط- من أجل تحسين مقروئية الخط والشكل العام؛ أي أنّي بالأحرى استعنت بالخطوط المنظمة والتقليدية مثل حروف خط “لوتس” كمرجع، وسمحت لنفسي بحرية التجريب والاختبار حول ذلك.

ما أصعب تحدٍ كان بالنسبة لكم خلال العمل على هذا المشروع؟

من الناحية الفنية، أود أن أشير أولًا إلى أن معظم الخطوط ترسم رقميًّا بمنحنيات مغلقة؛ بحيث يمثل الشكل الممتلئ (الأسود) منحنى بذاته، ويمثل الشكل الفارغ منحنى بذاته؛ فمثلًا الحرف (ه) في العادة يحتوي على منحنيين فقط: منحنى لشكل الحرف الخارجي، ومنحنى للفتحة الداخلية. من أجل تجسيد خامة خط طبشور الخشنة أولًا لابد من أن احتواء شكل الحرف الواحد على الكثير من الفراغات الصغيرة؛ أي لابد من احتواء المحرف الواحد على عدد كبير جدًا من المنحنيات حتى بالنسبة للحروف البسيطة عادةً كالهمزة مثلًا. ثانيًا المنحنيات نفسها التي تُمثّل بنقط بيزيه (Bézier curve) لابد من تعرُّجها للحفاظ على خشونة الخامة. هذا التعرج يعني أن يحتوي المنحنى الواحد على عدد كبير جدًّا من النقاط.

خط طبشور
(مقارنة بين حرف الهاء المنفصلة في خط طبشور (يمين)، وملهم (يسار))

لهذين السببين أصبح ملف الخط ثقيلًا إلى الحد الذي يعطّل برامج Microsoft وAdobe عند الاختبار. وواجهت صعوبة في تخفيف حجم ملف الخط بعد التصدير؛ لأن إصلاح هاتين النقطتين كان يعني أن الحروف ستفقد خامتها إلى حد ما، وكذلك شفافيتها المحددة بعدد المنحنيات الفارغة الصغيرة داخل شكل الحرف. في هذه المرحلة كانت الموازنة بين المحافظة على روح الخط وخامته، والجانب العملي لضمان أن الخط سيعمل بشكل صحيح- تشكل تحدِّيًا استغرق الكثير من الوقت للوصول إلى حل وسطي.

خط طبشور
(حرف الهمزة في خط طبشور، من اليمين إلى اليسار: رسم أولي على ورق- مرحلتان وسطيتان- رسم نهائي)

قدمتم الخط بطريقة من واضح أنها تستهدف المؤسسات التعليمية أو من يقدم محتوى موجه للناشئة، كنموذج الدوال المثلثية أو عناوين القصص؟ حدثيني عن الـ Art Direction الذي قدمتم من خلاله المشروع؟

مع أن فكرة تصميم خط بهذه الخامة نشأت في الأصل من رغبة شخصية في خط عربي طفولي، كان النقص الملاحظ في تنوع الخطوط العربية مقارنة بغيرها من اللغات الدافع لنشر خط طبشور كإضافة للمكتبة العربية.

أثناء العمل على المشروع رأيت أن الخامة الطبشورية للخط بطبيعتها ستكون محببة للفئة العمرية الصغرى أكثر من غيرها؛ ذلك لأنها تضفي طابعًا غير رسميّ على التصاميم، فضلًا عن أن “الطبشور” يرتبط عادةً في الأذهان بـ”السبورة” ويحرك الذاكرة لما أحبه الكل في فترة الطفولة؛ كالتلوين بالشمع أو الرسم على الأرصفة.

لذلك لجأنا إلى عرض أمثلة واستخدام جمل تتناغم مع الانطباع الأولي الذي يتركه الخط. أما بالنسبة للألوان المستخدمة في عرض المشروع فهي مستوحاة من الألوان المألوفة للطباشير. وبالتركيز على كل هذه الجوانب أثناء تجهيز العرض وإظهار الخط في حُلّة توضّح الاستخدام المتوقع للخط نأمل أن تصل فكرة الأساسية للخط بيسر لمن يصادفه الخط بالأخص من صناع المحتوى العربي المخصّص للطفل.

هل هناك تواصل مع أو من قبل دور نشر أو مؤسسات صناعة محتوى قد يهمها استخدام هذا الخط في مشاريعها؟

رأيت بعض الاستعمالات للخط هنا وهناك في وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن لم تردني استعلامات بهذا الشأن على الخصوص بعد.

ما مدى تقارب النتيجة النهائية مما كان في خيالك؟

نسبة لأن الهدف الشخصي من المشروع كان اختبار توظيف الخامة في الخط، كان تصوري الأولي للنتيجة النهائية خطًّا بخامة أكثر تعقيدًا إن صحّ التعبير، ولكن نسبة للتحديات المذكورة سابقًا بسّطت ذلك للحصول على أفضل نتيجة في حدود مقدرتي. مع ذلك فالنتيجة كانت مرضية إلى حد كبير باعتبار أن المشروع بدأ كاختبار وفضول، ولم أحصر فيه النتيجة بصورة محددة قبلًا؛ كونه من المشاريع التي رأيت فيها أن العملية والاكتشاف أهم من النتيجة.

خط طبشور
(مراحل مختلفة لخط طبشور)

كم أخذ منك الموضوع حتى أتممت تصميم خط طبشور؟

لأن طبشور خط للعرض أساسًا، لم يستغرق الرسم والانتقال إلى برنامج صناعة الخطوط أكثر من أسبوع تقريبًا. بعد ذلك أخذت عملية تعديل الحوافّ، وبرمجة الخط والتركيب، وضبط علامات التشكيل، حتى تخفيف حجم الملف والاختبار- قرابة الشهر. أخيرًا استغرق تصميم العرض وبث الحياة في الخط من خلال التنسيق والنصوص قرابة الأسبوعين.

كانت لديك تجربة سابقة موفقة جدًا من خلال خط “ملهم”، كيف تقارنين بين التجربتين، سواء من ناحية التقنية أو الفنية؟ وكيف ترين تطورك كمصممة خطوط؟

صحيح، فخط ملهم انتشر لدرجة أكبر مما في الحسبان، وفي الحقيقة كلما أرى استعمالًا لخط ملهم في أحد الوسائط أدرك كمية الأجزاء التي تحتاج إلى تعديلات جمالية وفنية. مع أني أصف ملهم وطبشور كـ”تجربة”، إلا أن الفرق الأكبر بالذات من الناحية التقنية عند صناعة طبشور هو أني استفدت من عمليات صناعة الخطوط قبله- كملهم وغيره- في إضافة ميزات للخط وبرمجته بطريقة تناسبه على الخصوص. مع كل مشروع خط أقوم بتنفيذه أكتشف طرقًا وحلولًا جديدة، مما يساعدني على تشكيل الخط بطريقة أكثر طبيعية، ونتيجة لذلك فمن الناحية الجمالية أيضا أعتقد أني أصبحت أكثر جرأة في اختبار الخطوط اليدوية على الخصوص.

احتجت وقتا طويلًا كي أتعلم وأجمع الأفكار بشأن مشاريع الخطوط. ولأن مشرفيّ المشاريع يشجّعون الطلاب دائمًا على مبدأ “جرِّب سريعًا وافشل كثيرًا” قررت في العام الماضي البدء بتنفيذ الأفكار عوضًا عن تجميعها فقط. فعملت على خطوط “قنقليز” و”نسمة” و”طبشور” على التوالي، باعتبار هذه المرحلة مفيدة لي كأسلوب للتعلم. وبحمد الله لاقت الخطوط قبولًا، وفي المقابل أتلقى دائمًا الآراء والتعليقات بشأنها مما يساعدني على التطور المستمر.

Tabshoor

شخصيًا ومقارنة بخطوط كثيرة متوفرة ومعروفة ولا تقدم نصف هذه التجربة إلا أن أسعارها مرتفعة جدًا، ألا ترين أن السعر المنخفض في خط طبشور يهضمه حقه؟

مقارنة بأدوات تصميم الخط وأدوات التعلم، وقيمة الخط أيضًا أصنف سعره كمنخفض كذلك. لكن ذلك لأني أعتبره مشروعًا شخصيًّا للتجربة وتلقي التعليقات حولَه وأتمنى أن يستخدمه أكبر عدد من الناس. خلاف ذلك فإني لا أصنف نفسي كمتخصصة أو محترفة بعد، وما يزال لدي الكثير لتعلمه سواءٌ في مجال تطوير الخطوط أو في الجانب المهني والتسويقي.

ما هي مشاريعك الحالية؟

منذ العام السابق أعمل على تحسين وتطوير خط ملهم كخط كامل بأوزان ولغات متعددة، والذي أتمنى أن يرى النور قريبًا بإذن الله. كذلك ما زلت مستمرة في التجارب الخطية في العام الحالي. أيضًا أعمل على مشروع تخرجي، وأركز في دراستي الحالية على توظيف الحركة (الموشن) في الخط والتحريك بشكل عام.

أشكرك جزيل الشكر إيثار

—–
جميع النماذج معروضة في الحوار تم تقديمها وبالاستئذان من قبل المصممة إيثار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.