عن تحول فيسبوك إلى ميتا؟

إعادة تموضع العلامة التجارية (Brand Repositioning) مصطلح متعارف عليه في عالم الأعمال والتسويق؛ حين تقرر مؤسسة إعادة تعريف نفسها عندما تتوسع إلى قطاعات أعمال جديدة، أو يتغير جمهورها المستهدف، أو تتحول إلى شركة عالمية مثلاً، وتختلف الأسباب من مؤسسة إلى أخرى، كما أن طريقة إعادة التموضع تختلف أيضًا، وبعضهم يعيد تموضع نفسه بأن يبدأ بإعادة تعريفه لنفسه وإعادة تسمية المؤسسة، وأفضل مثال هنا هو شركة جوجل أين تحولت جوجل إلى جزء من شركة أكبر تدعى Alphabet كون هذه الأخيرة توسعت لنطاقات كثيرة. وهنا نأتي إلى إعلان مارك زوكربيغ عن Meta الشركة الأم التي بات ينطوي تحتها فيسبوك وكل الخدمات الأخرى.

من عالم الخيال:

إذا كنت من مهاويس أفلام الخيال العلمي مثلي، فقد يكون فيلم Ready Player One قد مر عليك من قبل، أو مسلسل الأنيمي Sword Art Online، فيلم Ready Player One على سبيل المثال – وهو فيلم للمراهقين عمومًا مبنى على رواية بنفس الاسم – يدور في عالم يعيش الفقر والتردي الاقتصادي في مقابل صعود نجم الحياة الافتراضية التي تتصدرها خوذات شبيهة بخوذات Oculus وحيث لديك شخصية افتراضية في عالم يعرف بالواحة (Oasis) أين تعيش هناك أكثر من العالم الحقيقي نفسه.، تستطيع الاجتماع بأصدقاءك وأقاربك هناك، مثلًا لست بحاجة لزيارة المتاجر على أرض الواقع لمعاينة المنتجات، فهي ستأتي إيك وستبدو لك حقيقية جدًا وتشتريها وتصلك إلى غاية منزلك.

في الفيلم نرى الناس يجدون ذواتهم في عالم اللعبة الافتراضية “الواحة” التي بناها العبقري “جيمس هاليداي” والذي تحول إلى أغنى أغنياء العالم، وحيث يمكنك فعل أي شيء تتخيله، وأيضًا يمكنك جني الكثير من المال من خلال العملة الرقمية الخاصة باللعبة والتي تفتح لك الآفاق للذهاب إلى أماكن كثيرة وتحسين مستواك وحتى تغيير مظهرك! عالم مستقل بذاته مواز للعالم الحقيقي وتقريبًا أغلب البشر يعيشون هناك هربًا من الحياة اليومية التي يرونها عادية، إلى أن يأتي اليوم الذي يعلن فيه مخترع اللعبة بعد وفاته عن جائزة للفوز بسباق وحل لغز مثير، والجائزة الفوز بالتحكم باللعبة كلها والأموال الطائلة التي تحتويها، سباق دخلت فيه حتى شركات قوية لتنافس المستخدمين فيه.

لماذا أستند على فيلم للمراهقين لشرح تحول زوكربيرغ إلى ميتا؟ لأنه وعلى الرغم من الكره الشديد الذي يكنه الناس علانية لفيسبوك كشركة بسبب ممارساتها الفظيعة وانتهاكاتها، والكره الخاص لسارقها/مؤسسها “مارك زوكربيرغ” لا يزال فيسبوك على قمة الشركات التقنية، كما وأنه بشكل ما اتخذ عدة قرارات استراتيجية محسوبة بشكل مثير للاستغراب باستحواذه على انستغرام وواتساب، وتطويره لماسنجر وأيضًا تطوير وانتاج وبيع أحد أرخص وأهم خوذة افتراضية في السوق Oculus Quest باصداريها 1 و 2، وهذا يقودنا أيضًا إلى أن فيسبوك تعمل على عملتها الرقمية كذلك المسماة Diem والمعروفة بـ Libra والمتوقع إطلاقها هذا العام أيضًا إن سمحت أوروبا لها بذلك!

لدى مارك زوكربيرغ كل المقومات لصناعة عالم مثل عالم Oasis في فيلم المراهقين ذاك! فهو يمتلك حياتك حرفيًا، عملك وأقرباؤك أصدقاؤك ومحتواك وصورك وكل شيء لديك يتحكم فيه، حياتك بين يديه.

الشجعان هم الذين يقدمون على التجارب الجديدة:

لو وضعنا فكرة الخوف من الضياع أمام المنافسة، فأفضل حل هو تجاوز المنافسة نفسها والانطلاق في شيء جديد مختلف والتحكم فيه، من البداية وبشكل مباشر يتحدث مارك عن مراحل التواصل التي مرت بها البشرية في تناول المحتوى، من النص – الكتابة – إلى الصور ثم إلى الفيديو، ثم يخبرنا أن تناول المحتوى من خلال الشاشات يحدنا عن الكثير، ويطرح أن ما ينقصنا في تجربتنا الرقمية التالية هو عيش التجربة الحقيقية بدل تلقى المحتوى من شاشات هواتفنا وحواسيبنا!

وعلى غير العادة من التجهم والوجه الخالي من المشاعر، نجد مارك هذه المرة يكاد قفز من الحماس في عرضه لعالم Metaverse الذي تعمل عليه شركته حاليًا، خاصة وأنها قطعت شوطًا لابأس به وسبقت الكثير من الشركات في خلق منصة قوية ومتطورة وتسمح بتطوير عدد لا محدود من تطبيقات العالم الافتراضي (VR or Virtual Reality والواقع المعزز AR or Augmented Reality) وهذا من تجربتي الشخصية.

قبل شهر من الآن اقتنيت خوذة Oculus Quest 2 وكان هدفي الاستكشاف مع الوضع في الحسبان عدم شراء أي شيء وتقديم بيانات بنكية لأي منتج سأكتفي بما هو مجاني، وأيضًا كنت دومًا أود ارتداء الخوذات الافتراضية لممارسة التأمل في أماكن طبيعية! والحقيقة أن التجربة مكتملة جدًا حتى أني بت أدخل يوميًا لتجربة الفيوديوهات وبعض الألعاب الخفيفة. التي بعضها جعلتني أنسى أنني في عالم افتراضي! وهو أمر أصابني بالرعب والدهشة معًا، وربما ما يجعلني أَحُدُ من استخدامي لها هو الصداع النصفي الذي يتبعها في كل مرة.. وهذه نقطة تجعلني أتحدث عن فكرة الشعار 🙂

كيف جاءت الهوية البصرية؟

سواء كان الشعار مسروقًا أم لا من تطبيق لعلاج الصداع النصفي، وهو أمر لا أستعبده طالما فيه زوكربيرغ، فإني أجده شعارً ذكيًا جدًا، يجمع بين فكرة التجربة المكتملة التي تغوص وترتفع فيها وتستكشف الكثير، حرف الـ M ليشكل المونوغرام من كلمة Meta وأيضًا الآفاق اللامتناهية التي تقدمها، الجزء الأهم هنا هو البعد الثلاثي، في تمثيل لما وصفه بأنه سيكون حجر الأساس للمطورين والمبدعين، سيتجه الكثير لتعلم التصميم ثلاثي الأبعاد في الأعوام القليلة القادمة، أما الخط فقد استخدم الخط الرسمي للشركة الذي أعلنت عنه في 2019.

أما للاسم نفسه فكلمة Meta تعني Beyond أو ما هو أبعد، وهذا اسم أجده منطقيا جدًا للاجابة عن سؤالنا التالي:

ماذا يريد مارك؟

السيطرة على الانترنت والعالم، ولا أجد وصفًا أقل من هذا تعبيرًا عن الذي فهمته، دعك من الذين يقولون بأن الشركة تحاول تحسين سمعتها بتغيير اسمها، أو بأن الشركة فقط انتقلت إلى قطاع جديد وتقلد جوجل، فهذا لم يقنعني!

تخيل لديك شركة يقارب عدد مشتركيها ثلاثة مليار مشترك، أي قرابة نصف سكان الكوكب، وتسيطر على أهم التطبيقات التي تصل العالم ببعضه البعض كما أنك أحد أهم الشركات التي تقود صناعة العوالم الافتراضية، وفي المقابل لديك شركات أخرى أخرى تنافسك في نسبة الاستحواذ على المستخدمين والانترنت، ماذا لو خلقت عالمًا أنت تضع معاييره بنفسك وتصبح الآمر والناهي فيه؟ وتسبق الجميع إليه وتجعل الشركات الكبرى الأخرى مضطرة لتصبح تحت رحمتك أنت! ستصبح أنت الانترنت، لا يمكن تصور سيناريو أفضل من هذا، من ملاحظات الكثير من المراجعات زوكربيرغ لم يأت مطلقًا على ذكر مشاكل فيسبوك مع الخصوصية وغيرها، حتي أنه يبدو أنه قد تجاوز فيسبوك الذي لم يعد بالنسبة له ذلك مشروعًا جانبيًا ويتحدث عنه بصيغة الماضي.. يتحول إلى ما هو أكبر من فيسبوك نفسه.

حتى وعلى مقتي لشركة فيسبوك ومؤسسها، الشركة لحد الآن ناجحة جدًا، متحكمة في قطاع الإعلان وفي توجيه الجماهير وبما تراه وتسمعه، ومتحكمة في قطاع الأعمال الصغيرة التي يعتمد عليها الملايين حول العالم، تخيل حجم الأعمال والمشاريع على انستغرام التي تضررت قبل أسابيع عندما توقفت خوادم الشركة عن العمل؟!، فيسبوك أو ميتا شركة جبارة مع الأسف، ولأن العالم تحكمه لغة المال، سخرنا منها أو لا، شئنا أم أبينا ستنتقل الجموع إلى عالم ميتا عاجلاً أم آجلا، أصلا عالم Oculus ينمو يومًا بعد يوم، ولك أن تتخيل ما قد يحدث! هل ستنافس الشركات الأخرى؟ هل يتجد عوالم أخرى تنافس Metaverse؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.