متى تتحول آدوبي إلى شبكة اجتماعية – بشكل رسمي

أعزائي المقلز، هذه التدوينة محض تصورات لا غير، ولكنها مبنية على بعض المعطيات الحقيقية.

عندما تعرفت على عالم المدونات لأول مرة سنة 2005 عن طريق الصديق محمد السعيد احجيوج، كان يبدو لي الأمر خارقًا للغاية، بسبب المدونات وثورتها وقتها ضجت وسائل الإعلام الاحترافية/التقليدية ضد المدونات، ولماذا تتطفل على عمل الإعلام، لكن لاحقًا ومع الوقت بدأ الاندماج والتقبل وأطلق عليها إعلام المجتمع كمكمل للمشهد الإعلامي.

الفرق الأساسي هنا هو أن هذه المدونات ما كانت لتكون لولا الجانب التقني البسيط الذي أتاح لها المجال لتزدهر، لم تعد مضطرًا لكتابة مقال على برنامج الوورد من مايكروسوفت أوفيس، لترسله إلى تلك الجريدة أو الموقع الاخباري ذاك، لديك كافة الأدوات لتكتب وتنشر، والمنصات تنافست فيما بينها لتوفر لك أفضل بيئة ممكنة لتنشر ما تريد لكن ضمن نطاقها الخاص، لم يكن هناك ترحيب بالمدونات المستقلة على نطاقات مستقلة، والتي تستخدم أنظمة إدارة محتوى مثل الووردبريس وGhost علي سبيل المثال، عربياً كان هناك تنافس محموم بين Blogger من جوجل، ومدونات مكتوب التي استحوذت عليها ياهو لاحقًا، وعالميا التنافس كان بين ووردبربيس و Blogger.

أطلقت آدوبي قبل أيام تطبيق Photoshop camera، لنظام iOS الذي هو باختصار تطبيق محمول بسيط جدًا يساعدك على إضافة تأثيرات على صورك بشكل لطيف ويمكّنك من التعديل على تلك الإضافات لتنشر النتيجة علي الشبكات الاجتماعية، أغلب المحترفين في مجال التصميم والتعديل على الصور وغيرها يعلمون أن هذا الطبيق غير ذي نفع كبير لهم، وبسيط جدًا، لذلك ما الفائدة من طرحه؟ لكن بالنسبة للمستخدمين العاديين هذا شيء رائع ومختلف.

المثير هنا أن الفوتوشوب تحديدًا لديه عدد متنوع من التطبيقات المجزءة هنا وهناك وموزعة في المتاجر : Photoshop mix، Photoshop Express، Photoshop Sketch، Photoshop Fix، وهي تطبيقات شخصيًا لم أجد لها أي نفع في عملي، فكل ما أريده متوفر في النسخة الكاملة من الفوتوشوب للجهاز المكتبي!

في إعلانها عن برنامج “Premiere Rush” ستجد مجموعة أصدقاء يمضون وقتًا طيبًا يلتقطون بعض الفيديوهات بهواتفهم وبشكل غير مباشر ستجد أحدهم بكاميرا احترافية مع مثبت حركة معقد يبدوا أنه يثقل كاهل من يصف نفسه بالطالب، ويقدم البرنامج بصوت هادىء بسيط على أنه حل سهل للعمل بسرعة على المونتاج وإعداد فيديوهات وقصص سريعة يمكن مشاركتها سريعاً على الشبكات الاجتماعية الأخرى، وكشخص لا يجيد التعامل مع المونتاج بشكل عام، فقد استطعت من خلال البرنامج إعداد فيديو جيد جدًا لأحد منشورات الشبكات لأحد عملائنا، وبالتأكيد لو بذلت فيه بعض الجهد لكان أفضل.

اندرج تحت Premiere Rush مجموعة تطبيقات أخرى موجهة بالأساس للمنشورات الإبداعية للشبكات الاجتماعية، Spark Post، Spark Video وكلها مدعومة بمكتبة كبيرة من الصور والخطوط اللانهائية والتصاميم الجاهزة توفرها آدوبي حتى يمكنك التعديل عليها بشكل سهل للغاية.

مجددًا هذه التطبيقات للهواتف والحواسيب اللوحية؛ أي شخص يعمل باحتراف سيجدها غير مناسبة لطموحاته، وبأنها تطبيقات جد بسيطة، إذن لمن هذه التطبيقات بالتحديد؟ من هي الفئة المستهدفة؟

المنصات تطور أدواتها الخاصة:

دعونا نراجع منصات الشبكات الاجتماعية ولنبدأ بأهمها، يوتيوب، يتويوب عمم مؤخرًا لجميع مستخدميه خدمة “YouTube Studio” منصة تابعة ليوتيوب هدفها الأساسي توفير مساحة عمل على المحتوى داخليًا، وعلى هذه المنصة يوجد محرر الفيديو الخاص بها، وهو تقريبًا مشابه إلى حد كبير لأي محرر فيديو مثل iMovie وPremiere Rush ومن تجربتي عليه أجده مناسب جدًا للفيديوهات الأساسية البسيطة دون جماليات زائدة، لكنها خطوة أولى من جوجل/يوتيوب لتشجيع مستخدميها على صناعة محتوى أكثر وتحريره داخل المنصة بدل التنقل من تطبيق إلى آخر. هذا لو وضعنا جانبًا عشرات تطبيقات تحرير الفيديوهات المتوفرة في متاجر اندرويد وآبل والتي كلها تقدم مستويات عالية من الآداء وواجهات استخدام فعّالة، مثل GoPro App، LumaFusion، FilmoraGo ، وغيرها الكثير.

Tik Tok – ثمانمائة مليون مستخدم نشيط – وللغرابة تلك المنصة التي ضنها الجميع نسخة أخرى من سناب شات لن تلبث حتي تنعزل بنفسها ويقل مستخدموها، صنعت فرقًا لم يتخيله أحد من خلال توفير أدوات بسيطة لمستخدميها تشجعهم على صناعة محتوى خاص بهم، وقد صنعت الفرق حقًا بأدوات مونتاج وتأثيرات متنوعة، في السابق كان أقصى طموح للمستخدمين للمنصات المشابهة هو التقاط صورة أو فيديو واختيار بعض الفلاتر وإضافة النصوص وبعض الرسومات البسيطة، لكن هذا تغير هنا، وأتصور أن انستغرام كعادتها الوضيعة ستستنسخ هذا الأسلوب مرة أخرى بحيث يصبح للمستخدمين في انستغرام أدوات أساسية تسمح لهم بالتصوير والتعديل والإضافة، خاصة أن انستغرام نفسها لديها منصة لتصمم من خلالها الفلتر الخاص بك ببعض الجهد.

المنافسة في عالم الهواتف والحواسيب:

Procreate توج كتطبيق السنة للرسم الرقمي على نظام آيباد، وأصبح بشكل الرسمي التطبيق المفضل لكل الرسامين الرقميين، نجحت آبل في صناعة النجاح وأثرت على سوق شركة wacom ، لكن تطبيق Procreate الذي تشتريه مرة واحدة مدى الحياة جاء بواجهة استخدام فريدة بسيطة جدًا تجعلك تركز فقط في اللوحة التي سترسمها مع تجربة تعادل تجربة الرسم الحقيقية بفضل قلم آبل المتطور، هذا يهدد العمل على الفوتوشوب الذي كان الخيار الأول للرسام الرقمي، خاصة مع تأخر أدوبي في إطلاق نسخة كاملة للفوشتوب على الآيباد بنفس أداء Procreate!

برامج Serif

المنافسة أيضًا لآدوبي ليست فقط على الهواتف والحواسيب اللوحية، منافس آخر دخل السوق ويوفر خيارًا لم يتصور أحد تحققه، شركة Serif أطلقت مجموعة برامج للمصممين ولتعديل الصور وللإخراج التحريري بأداء عالٍ جدًا على الجهاز المكتبي وعلى الحواسيب المكتبية. برنامجها Affinity Designer بالتحديد جمع بين شيئين، بين الرسوم المتجهة -الفيكتور- وهو المكافئ للاليستريتور، وبين الرسوم النقطية -أو البكسل- وهو المكافئ للفوتوشوب، نعم ما تسمعه حقيقي، هذا برنامج يمكنك من العمل على الأمرين في نفس الوقت لنفس المشروع، لست مضطرًا للانتقال بين برامج ضخمة لانجاز تصاميمك وأعمالك، والتجربة على الحواسيب اللوحية انتقلت لمستوى جديد تمامًا بنفس مستوى Procreate، وهذا كله بسعر جد معقول تدفعه مرة واحدة لمدى الحياة!!

وغيرها الكثير من البرامج التي راجت مؤخرًا ويتجه الكثيرون لاستخدامها واعطاءها فرصة بدل الاشتراك الشهري لبرامج آدوبي مثل Pixlematore، DaVinci Resolve، Vectormator،Inkpad ..ألخ

منصة بيهانس:

استحوذت أدوبي علي منصة بيهانس المخصصة للمبدعين في شتى المجالات البصرية، وأدمجتها ضمن خدمتها السحابية، فلا فرق بين استخدامك للفوتوشوب واستخدامك منصة بيهانس، كلها تحت حساب واحد، وحيث تصلك اشعارات المتابعين ورسائلهم، المنصة لا تزال لغاية الساعة تركز على أن تكون منصة متخصصة فقط للمبدعين، لكن أدوبي أفسحت مجالا لخاصية الـ Stories تمامًا مثل سناب شات وانستغرام, وأيضًا تتيح لك عمل بث حي -Live- لمتابعيك ولمشاركة شاشتك ومراحل عملك عن قرب! فتقنيًا أدوبي لديها المنصة المناسبة والخبرة اللازمة لإدارة شبكة اجتماعية بأكثر من عشرة ملايين مستخدم!

عندما لا يكون لك وجود ضمن عالم الشبكات الاجتماعية:

على الرغم من أن أدوبي لا تزال المسيطر على شكل المحتوى الابداعي المصور تحديدا من خلال التوليفة الساحقة في Adobe premiere و Adobe After Effects الذي نراه عند أغلب “صناع المحتوى” كما يطلق عليهم، لكن ماذا سيحدث إذا تطورت أدوات الشبكات الاجتماعية الأخرى، تحاول انستغرام اجبارك على البقاء داخلها أكبر وقت ممكن، وستفعل المستحيل لجعلك مستمتعًا، ماذا لو وفرت لك انستغرام أدوات لتحرير الفيديو؟ -وهو ما سيحدث بالتأكيد – وأضافت عليها أدوات أخرى لتعديل الصور، مع عدد مهول من الفلاتر، مع مجتمع متكامل بمئات الملايين من المشتركين ينتظر أن يشاهد إبداعك، وكل هذا بشكل سهل ويسير؟

ما الحاجة التي ستدفعك لاستخدام الفوتوشوب؟ أو البروميير؟ لست بحاجة لتعلم برامج معقدة من الصفر، بعض الجهد على منصة تيكتوك وستقدم محتوى جاذب، الـ 60 ثانية التي تعطيها لك تيك توك ستتحول مع الوقت إلى دقائق وربما إلى أفلام قصيرة كاملة دون الحاجة لاستخدام برامج تحرير فيديو ومؤثرات بصرية معقدة؟

تخيل عالمًا كاملًا يتشكل بعيدًا لا وجود لأدوبي فيه، وهي التي كانت حجر زاوية لأي محتوى إبداعي رأيناه!

أدوبي سينسي:

أعلنت أدوبي عن دخول الذكاء الصُنعي عالمها من خلال Adobe Sensei ، حيث يتعلم من مستخدمي برامج أدوبي كيف يعملون ويتعلم أيضًا من ملايين الأعمال المعروضة على بيهانس أو التي تفتحها الآن علي برنامجك ولم تشاركها بعد، واحد من الأمثلة البسيطة التي أذهلتني هي قدرته على التحديد بشكل دقيق جدًا أي عنصر أرغب في تحديده على الفوتشوب دون الحاجة لعملية تحديد مرهقة وطويلة، فقط بضغطة زر وAdobe Sensei سيقوم بكل الأمر عني، على الاليستيرتور هنا خاصة جديد للتدرج اللوني تعتمد على الذكاء الصُنعي أيضًا لم أتصورها ستتحق، لكنها هنا موجودة بكل يسر وسهولة. حتى المحترفون مع الوقت لم يعودوا بحاجة لاجراء العديد من الخطوات لتصميم شيء!

هل تجرؤ أدوبي؟

ثم تخيل أنك تملك كل المقومات التي تضمن لك النجاح في عالم الشبكات الاجتماعية؛ لديك منصة اجتماعية جاهزة مع خبرة واضحة ومتراكمة، هذه المنصة مرتبطة بمجموعة قوية من برامج متنوعة للمجال الابداعي، وكل هذه البرامج متربطة أيضًا بخدمة ذكاء صُنعي لتجعل من العمل سهلاً ويسيراً، هذا الذكاء الذي تعلم من ملايين المبدعين ولسنوات طويلة حتى أنه بدأ ينفذ عنهم مهامهم الصعبة بضغطة زر! ثم تشاهد في المقابل مئات الملايين من المستخدمين الجدد لا يستخدمون منتجاتك، لديهم منصات اجتماعية أخرى توفر لهم أدوات بسيطة ينتجون من خلالها محتواهم الإبداعي بعيدًا عنك وعن كل ما تملكه؟

لذلك تبدأ في جس النبض، تطلق مجموعة برامج مبسطة وتغرق سوق التطبيقات بها، تحاول منافسة تلك التطبيقات الصغيرة مثل Inshot و VESCO ، إلى أن ينتهي الأمر بك لطرح تطبيق مخصص للفلاتر، تطبيق تشك أصلا في من قد يستخدمه، وما نفعه بالأساس؟ قد يعطي هذا تصورًا ما لدى البعض بأنك تسعى لهذا الأمر!

ربما تواجه الآن سؤالا مصيريًا، متى سأكتفي من المجتمع الإبداعي المحدود العدد وأتجه إلى المستخدمين العوام بشكل مباشر، هل يمككني طرح أداة شاملة تفتح آفاق جديدة للمستخدمين العوام مكان الشبكات الاجتماعية التي تشبعت وأصبحت محدودة وبدأت تبحث عما تضيفه لهم أكثر؟ هل لدي القدرة على ذلك التحول؟

وكيف سيؤثر هذا أيضًا على نموذج العمل لدي، فالنموذج الذي لدي يعتمد على الإشتراك الشهري بمبلغ جد معقول لـ 18 مليون مشترك، لماذا لا أكتفي بهذا الرقم وأسعى لزيادته أكثر؟ كما أن أغلب منصات الشبكات الاجتماعية تقدم خدمة حسابات مجانية لمستخدميها في مقابل استغلال بيناتاهم لتقديم خدمات إعلانية مخصصة وإغراقهم بها! هل سيكون التأقلم مع هذا يسيرًا؟ أم أنها مسألة وقت فقط لأجدني مرغمًا على دخول هذا السوق؟! لكن ماذا لو زدت رقم المستخدمين لدي ليصبح الجميع مبدعون وفائزون في نفس الوقت؟

لكن السؤال المهم هنا: كيف سيؤثر هذا على مجتمع المبدعين؟ هل سيحدث معهم نفس ما حدث مع المؤسسات الإعلامية عند ظهور المدونات؟

One comment

  1. مطرحك موفق جدا و منطقي ..
    شبكات التواصل الاجتماعي جعلت كل شيء عام ، و بطريقة ما عممت كل خاص بأسلوب لا يمكنني القول انه جيد، لأنه صار شكل من اشكال تسطيح المفاهيم و المعلومات و الثقافة بصفة عامة.
    لكن مع ذلك فهي قد اكتسحت الساحة بقوة، و ادوبي كشركة كبيرة هي لا تتوقف عن تلبية رغبات المصمم و انيميتر المحترف لكن دخولها لتلك المساحة الواسعة تعدّ ضرورة لتواكب العصر .

    لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هي نتائج كل ما يحصل من تسهيل و توفير كل شيء للعوام بشكل مقتضب و مختزل؟
    هل يستمر في انشاء جيل يحتكر المسرح و التلفزة، الوظائف المرموقة و ما الى ذلك من اشخاص لديهم عدد كبير من المتابعين و يتم اعتمادهم كشخصيات رسمية تمثل النجاح و الكفاح؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *