ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميزوري

تنبيه: هنا سرد لأحداث الفيلم من وجهة نظري، وحرق صريح للفيلم، لو لم تشاهده لست مسؤولًا عن قراءتك للتدوينة.

—–
السيدة ميلدريد هايز، امرأة مطلقة في الخمسينات من عمرها تتعرض ابنتها للقتل والاغتصاب أثناء موتها وتحرق جثتها، ولا يعرف من الفاعل، بعد سبعة أشهر من الحادثة يبدو أن المدينة الصغيرة تلك قد تناست الحادث والكل واصل حياته إلا السيدة هايز التي تشعر بأنها مذنبة ومشاركة في فعل قتل ابنتها؛ بسبب الحياة العائلية المضطربة وطلاقها من زوجها الأنيق الذي يواعد فتاة في التاسعة عشر ويعتني بنفسه ومظهره أكثر، والذي يبدو أنه قد تجاوز حادث قتل ابنته وواصل حياته، لكن السيدة ميلدريد لم تستطع ذلك، ودخلت دوامة ندم وذنب كبيرين.

بسبب غضبها من نفسها ومن شرطة المدينة التي لم تفعل شيئًا تجاه القضية، وأثناء عودتها إلى منزلها في احدى الأمسيات تلاحظ السيدة ميلدريد وخارج المدينة الصغيرة تلك ثلاث لوحات إعلانية كبيرة وقديمة لم يستخدمها أحد من الثمانينات، اللوحات موضوعة خلف بعضها البعض بالتتابع، فتقرر استئجارها واستخدامها بوضع عبارات قصيرة مقتضبة على أمل أن تحرك هذه اللوحات شيئًا في المدينة وتدفع الشرطة لآداء عملها.

إلا أن ما قامت به تحرك ضدها بقوة، ثارت ثائرة المدينة كلها تحاول صدها وتغيير رأيها بخصوص اللوحات التي تدين بشكل صريح الضابط ويلوغبي المسؤول عن قضية ابنتها، مستغلين في ذلك مرضه بسرطان البنكرياس حيث يعيش الضابط آخر أيامه، إلا أنها تصر على المواصلة على الرغم من كل المضايقات والاعتداءات.

لكن التغيير الذي سببته هذه اللوحات لم يؤثر فقط في حياة السيدة هايز، بل في حياة أطراف آخرين، أثّر على حياة صاحبة متجر الهدايا التي تعمل لديها، أثّر على حياة ابنها، أثر على حياة صاحب شركة الاعلان التي استأجرت منه اللوحات، وأثر بشكل كبير على حياة الضابط ديكسون، مساعد الضابط ويلوغبي، ديكسون ضابط سكير مستهتر ومدمن كتب كوميكس ويعاني من غضب داخلي تجاه مثليته التي لم يعلنها، هذا الغضب الذي حوله تجاه أي شخص آخر يكون مختلفًا في مجتمع البيض، حيث عرف عنه اعتداءه على السود وتعذيبهم.

3billboards

تتطور أحداث الفيلم بشكل سلسل جدا ومضحك ومبكي في نفس الوقت، تستطيع بسهولة أن تغرق وتتفاعل مع آداء فرانسيس مكدورمند في دور السيدة هايز، بشخصية مركبة؛ صلبة قوية شجاعة وحزينة مكتئبة تشعر بالذنب طوال الوقت، ولا يعجبها إيذاءها للآخرين لكنها تؤذيهم، يعجبك تفاعلها مع حالات الشخصيات الآخرى كمرض الضابط ويلوغبي الذي أداه الممثل وودي هارلسون، الذي برأيي قدم دورًا صغيرًا سهلاً ممتنعا، كضابط طيب القلب يسعى جاهدًا ليكون أفضل شيء في آخر أيامه قبل وفاته، حتى إيمانه بالضابط ديكسون الذي يراه الجميع شخصًا سيئًا.

ويبدو أن مخرج وكاتب الفيلم مارتن ماكدونا حاول بكل جهد أن لا يتفنن ويبالغ في السينماتوغرافيا، المشاهد بسيطة في تفاصيلها وعادية، فالعمل الحقيقي الذي قام به كان من خلال الحوارات المختصرة والقوية المليئة بالمشاعر والسُباب والكلام البذئ، والمشاهد الصامتة كانت تحتوى وجوها مليئة بالمشاعر المتضاربة، كمحاولة ديسكون (من آداء سام روكويل) القيام بالفعل الصحيح تجاه السيدة هايز وتجاه نفسه وحياته. لكن كانت هناك مشاهد بديعة تحتوى تصويرًا متواصلاً دون توقف ولدقائق عدة كاعتداء ديكسون على “ريد ويلبي” صاحب شركة الاعلانات.

ربما يكمن نجاح الفيلم في أنه يقودك إلى عدم اتخاذ أي حكم ضد أي شخصية في الفيلم، حتى السيدة هايز نفسها صاحبة القضية العادلة، لن تستطيع الحكم عليها إن كانت إنسانة جيدة أم سيئة، فهي وبإدراك مسبق تسببت بالأذى بشكل أو بآخر لأطراف ليس لهم أي دخل في الموضوع، حتى إيذاءها للقزم الذي يحبها دون شروط، لن تستطيع الحكم على ديكسون الذي من البداية يكن كرها للسيدة هايز لأنها تهين مديره وتتهم الشرطة بالتخاذل، ربما ختام الرسالة التي أرسلها الضابط ويلوغبي إلى ديكسون تلخص المغزى الحقيقي من الفيلم. حتى أنني لم استطع سوى ربط نهاية الفيلم بمحتوى الرسالة. وعلى الرغم من الحوارات البذئية طوال الوقت، فهو يتناول مسألة الاختلاف في المجتمعات ومحاولة تقبله والتعايش معه بتناغم، الاختلاف بين السود والبيض والصهب والمثليين والأقزام، ويتضح هذا من كمية المشاعر والانسانية التي يبثها الفيلم والتي يستحيل أن لاتدركها او تتفاعل معها!

تقييمي الشخصي:
7.9/10

الإعلان التشويقي للفيلم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *